اسماعيل بن محمد القونوي

493

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( روي أنه عليه السّلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من اللّه فيه بيان ما يأتون وما يذرون ) فيه تنبيه على أن الموعود كتاب شأنه كذا وأن المفعول الثاني ثلاثين ليلة بتقدير مضاف وهو إعطاء كتاب وثلاثين في الحقيقة ظرف له وقيل إن المضاف المحذوف الإتمام أي إتمام ثلاثين ليلة ولا يخفى أن تعلق الوعد بالإتمام فيه خفاء إلا أن يقال إن واعدنا بمعنى أمرنا وفاعل الإتمام موسى عليه السّلام لكن قوله تعالى : وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [ الأعراف : 142 ] يأبى عنه فالأحسن إذا جعل واعدنا بمعنى أمرنا كون المضاف المحذوف الصوم قال الإمام في سورة البقرة معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة ثم قال والحاصل حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه انتهى وقد قال أولا هناك في توجيه المفاعلة إن اللّه تعالى وعده الوحي وهو وعده المجيء لميقات إلى الطور وهذا أقوى الوجوه انتهى وما فهم منه أن المضاف المحذوف هو الوحي والكتاب كما أشرنا إليه أولا والعلم عند اللّه الملك الوهاب ( فلما هلك فرعون سأل موسى ربه فأمره بصوم ثلاثين يوما فلما أتم أنكر خلوف فيه أي فمه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمر اللّه تعالى أن يزيد عليها عشرا ) . قوله : انكر خلوف فيه أي ريح فمه الخلوف بالضم تغير ريح الفم . قوله : فلما هلك سأل ربه الخ هذا جواب لما عسى يسأل ويقال ما معنى تفصيل الأربعين ههنا إلى الثلاثين والعشر مع الاقتصار على الأربعين في سورة البقرة فأجاب أولا بأن الثلاثين للعبادة والعشر لإزالة الخلوف وثانيها بأن الثلاثين والعشر لإنزال التوراة والتكلم فيها دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السّلام والناس يختلفون في كلام اللّه فمنهم من قال كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ومنهم من قال كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن وزعم الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم وهذا القول مما لا يلتفت إليه ثم إن كلامه تعالى إما أن يكون بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه والثاني أيضا حادث لأن كل ما ثبت وجوده متأخرا عن وجود غيره فهو حادث فثبت أن بتقدير أن يكون كلام اللّه عبارة عن مجرد الحروف والأصوات فهو محدث وإذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان الأول أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات اللّه وهو قول الكرامية والثاني أن محلها جسم مباين لذات اللّه تعالى كالشجرة وغيرها وهو قول المعتزلة وأما القول الثاني وهو أن كلام اللّه تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة وتلك الصفة قائمة أزلية والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السّلام فقالت الأشعرية إن موسى سمع تلك الصفة الحقيقية قالوا وكما لا يبعد رؤية ذاته مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا قال المص رحمه اللّه ولعله نزول الكتب الإلهية بأن يتلقنه الملك من اللّه أي يتلقنه منه تعالى فعلى هذا معنى إنزال اللّه الكلام تلقينه للملك وقال أبو منصور الماتريدي الذي سمعه موسى أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة فأما الصفة